المشاركات

عرض المشاركات من أغسطس, 2025

الانتحار.. جرح الإنسان بين الفلسفة والدين والأدب

  "الانتحار.. جرح الإنسان بين الفلسفة والدين والأدب" أعرف ان الحديث عن الانتحار يشبه المشي على حافة مرآة: ترى الوجوه كلها في وقت واحد، الموجوع والقلق والواقف بعيدا يفتش عن معنى. ليس الانتحار حكاية فرد يقرر فجأة ان يغادر، بل قصة طويلة من اسئلة المعنى والعدالة والقدرة على الاحتمال، تتشابك فيها النفس والمجتمع والدين والادب والفلسفة. حين تضيق الروح، يميل الانسان الى تصديق ان العالم لا يسمع، وان الالم سيبقى الى الابد. لكن التجربة تعلمنا ان الالم نفسه كائن متقلب؛ يعلو ويهبط، ويتبدل لونه اذا دخلته يد رحيمة او كلمة صادقة او خطة علاج. هنا ينهض الوعي الديني والاخلاقي ليحرس الحياة: في القرآن نداء صريح يحوط النفس بحرمة وكرامة، “ولا تقتلوا انفسكم ان الله كان بكم رحيما” و“ولا تلقوا بايديكم الى التهلكة”، ثم باب واسع للرجاء لمن اثقلته اخطاؤه او آلامه: “قل يا عبادي الذين اسرفوا على انفسهم لا تقنطوا من رحمة الله”. ليس هذا خطاب تهويل، بل تذكير بانك عزيز على ربك، وان اليأس ليس قدرا، “انه لا ييأس من روح الله الا القوم الكافرون”. وفي السنة تنبيه حازم الى خطورة الاعتداء على النفس، مقرونا بادب الدعا...

صباح جديد

  (البحر الطويل ) "صباح جديد " صَباحٌ يُجَدِّدُ فِي فُؤَادِي تَجَدُّدُ، يُغَنِّي مَسَائِي، وَلَنَا اليَوْمُ مَوْعِدُ. وَيَنْبُتُ فِي رُوحِي رَحِيقٌ مُوَشْوَشٌ، فَيَرْسُمُ فِي صَدْرِي صَبَاحًا هُوَ العَهْدُ. وَتَضْحَكُ أَيَّامِي إِذَا لَاحَ بَرْقُهَا، فَيَعْلُو عَلَى أَعْتَابِ نَفْسِي لَنَا المَجْدُ. وَإِنْ أَخْفَتِ الأَسْرَارُ صَوْتَ بَهَائِهَا، تَجَلَّى لَنَا فِي طِفْلِ نُورِكَ هَذَا الرُّشْدُ. أُرَتِّلُ فِي بُكْرَاتِ يَوْمِي تَسَابِيحًا، فَيَمْتَلِئُ الإِحْسَاسُ بَشْرًا وَهُوَ السَّعْدُ. وَأُوغِلُ فِي مِسْكِ المَسَاءِ فَتَسْتَبِي، قُلُوبًا، وَفِيهَا لِلْعُيُونِ هُنَا الخُلْدُ. وَأَكْتُبُ فِي كَفِّ الصَّبَاحِ بَيَانَهُ، وَأَخُطُّ لِلْعُشَّاقِ أَحْرُفَهُ الوَعْدُ. وَأَسْكُبُ مِنْ عَسَلِ الضِّيَاءِ مَدَائِحًا، فَيَقْطُرُ فِي شَفَتَيَّ أَحْلَاهُ الشَّهْدُ. إِذَا هَدَأَتْ أَطْرَافُ لَيْلٍ مُؤَنَّقٍ، فَيَسْكُنُ فِي أَنْفَاسِنَا ذَاكَ الرُّقَادُ. وَتَنْهَضُ مِنْهَا مَدْرَجَاتُ تَوَدُّدٍ، فَنَسْكُنُ فِي رِفْعَاتِ رُوحٍ هُوَ البَلَدُ. وَيَرْفَعُ صُبْحِي فِي الفُؤَادِ سَنَاءَهُ، وَيُ...

تعلمت مِنْكَ

  (البحر الطويل) "تَعَلَّمْتُ مِنْكَ" أَلَا يَا أَبِي، طَالَتْ بِلَا طَيْفِكَ اللَّيَالُ، وَمَا فِي فُؤَادِي بَعْدَ فِقْدِكَ إِلَّا الأَلَمُ. أُرَتِّقُ يَوْمِي بِالدُّعَاءِ فَلَا أَرَى، سِوَى أُفُقٍ ضَاقَتْ بِهِ نَفْسِي وَالنَّدَمُ. تَهَادَى الصَّبَاحُ كَمِثْلِ بَيْتٍ خَالِيٍ، فَلَا أَثَرٌ يَبْقَى سِوَى صَمْتٍ هُوَ العَدَمُ. إِذَا ذُكِرَتْ كَفَّاكَ طَابَ لِيَ ارْتِقَابُهَا، وَيُورِقُ فِي أَحْشَاءِ قَلْبِي بَعْدَهَا الحُلْمُ. تَعَلَّمْتُ مِنْكَ تَوْقِدَ الحَقِّ ارْتِقَابَهُ، وَحِينَ يَجُورُ الغَيْظُ يَسْكُنُ فِيهِ الحِلْمُ. وَخَطُّكَ فِي الدَّفْتَرِ اسْمٌ لَا يَبِيدُ صَدَاهُ، يُرَتِّلُ لِي سِرَّ الثَّبَاتِ وَيَشْهَدُ القَلَمُ. وَنُطْقُكَ إِذْ يَهْتُفْ بِصِدْقٍ مُشَرَّفٍ، يُغَذِّي فَمَ الأَيَّامِ حِينَ يَجُوعُهَا الكَلِمُ. وَكَمْ رَبَطَتْ رَحْمًا بِنَا يَدَكَ الَّتِي، فَتَهْدَأُ أَرْوَاحُ الجِيرَةِ الوَجْلَى وَيَعُمُّ السِّلْمُ. وَإِنْ يَشْتَعِلْ فِي طُولِ لَيْلِي وَجِيبُهُ، أُسَامِرُ صَبْرِي، ثُمَّ يَخْفُتُ فِيهِ السَّقَمُ. وَمِنْكَ تَعَلَّمْتُ السَّخَاءَ فَمَا بَقِيَ، لِضَيْف...

أيتها الحائكة

أيتها الحائكةُ خيوطَ المعنى، إن كبرياء المرأة سِرٌّ مَصون في صَندوقٍ من نور، لا تُفتح أغطيتُه إلا بمفتاحِ الأمان. وحياؤها سَحابٌ يُظلّل الورد، فإن جُرِح، انسكب المطرُ حزنًا وانطفأت الرائحة. وحبُّها، حين يُستأذن في الدخول، يُزهِر قلبًا يتّسع لكلّ ما فيك، قبل أن يحرق الغيابُ آخر أوراقه. ✍️أ.د.أحمد الموسوي 

الفرد والمجتمع: جدلية الحرية والانتماء

  الفرد والمجتمع: جدلية الحرية والانتماء يولد الإنسان فردًا فريدًا، يبحث عن ذاته، ويجتهد في صياغة معنى خاص لحياته. لكنّه في الوقت ذاته لا يتفتّح إلا بين الآخرين، حيث اللغة التي يتعلّمها من أفواههم، والقوانين التي تحميه من جور بعضهم، والمعنى المشترك الذي ينمو من عيونهم وسلوكهم. في لحظةٍ صغيرة كوقوف رجل ليفسح الطريق لعجوز في طابور المخبز، أو شابة تمسك الباب لمن يليها، أو أم تُسكت ابنها احترامًا للناس، تتجلّى حقيقة العلاقة التي شغلت الفلاسفة منذ القدم: من أكون أنا حين أكون معكم؟ وهل تكفيني حريتي إن لم تجد صدى آمنًا في وجوه الآخرين؟ إنّها جدليةٌ بسيطة في ظاهرها، عميقة في جوهرها: أن أحفظ فرادتي دون أن أنقض خيط الانتماء. لقد رأى روسو أنّ الإنسان يولد حرًّا ثم يقيّده المجتمع، وأن الحل يكمن في العقد الاجتماعي الذي يصون الحرية من القهر. واعتبر ابن خلدون أنّ العصبية طاقة الاجتماع التي تحفظ العمران من التفكك، بينما أكّد الفارابي أنّ المدينة الفاضلة لا تُبنى على المنفعة وحدها، بل على الارتقاء بالإنسان إلى كماله الأخلاقي. وفي العصور الحديثة، شدّد هابرماس على أنّ المجتمع لا يكتمل إلا بمجالٍ عام ...