سحر الكلمة وأثرها في النفس الإنسانية

 سحر الكلمة وأثرها في النفس الإنسانية

إن الكلمة لسلاح ذو حدين، بها تبنى الحضارات، وبها قد تندثر القيم وتتهاوى المبادئ. فالكلمة، منذ فجر التاريخ، كانت وسيلة الإنسان للتعبير عن مكنونات نفسه، وهمسات وجدانه، وأحلام روحه. ولقد أدرك العرب، منذ القدم، عظمة الكلمة وقوتها، فجعلوها تاجا فوق رؤوسهم، ورفعوا من شأن الشاعر والخطيب، واحتفوا بالبلاغة والبيان، حتى غدت الكلمة عندهم مرآة الفكر، وسلما للمجد، وجسرا إلى الخلود.

وليس غريبا أن نجد في تراثنا العربي أمثلة كثيرة على أثر الكلمة في النفوس، إذ قيل: «الكلمة الطيبة صدقة»، وقيل أيضا: «جرح السنان له التئام، ولا يلتئم جرح اللسان». فالكلمة الطيبة تنعش القلب، وتبعث في النفس الأمل، وتضفي على الحياة رونقا وجمالا. أما الكلمة الجارحة فهي كالسهم النافذ، تترك في الروح أثرا لا يزول بسهولة، وتكدر صفو العلاقات، وتشيع البغضاء في القلوب وبين الناس.

إن للكلمة مسؤولية عظيمة، إذ يجب على صاحبها أن يزنها بميزان العقل والحكمة، وألا يطلقها جزافا دون روية أو تفكر. فكم من كلمة أطفأت نار الفتنة، وكم من كلمة أشعلت حربا ضروسا! لذلك كان من الواجب على كل إنسان أن يتحرى الصدق في قوله، والجمال في تعبيره، والرقة في خطابه، حتى يسمو بنفسه، ويرتقي بمجتمعه.

ومع تطور الزمن وظهور وسائل الاتصال الحديثة، ازدادت الحاجة إلى التأني في اختيار الكلمات، والحرص على نقاء اللفظ وسمو المعنى. فاللغة، كما يقول الأدباء، هي بيت الروح، ومأوى الفكر، وملاذ المشاعر. وإذا صلحت الكلمة، صلحت النفوس، وارتقت المجتمعات إلى مراتب الحضارة والرقي.

وفي الختام، تبقى الكلمة أمانة في أعناق أصحابها، وبها تعرف النفوس وتقاس العقول. فلنحسن القول، ولنجعل من كلماتنا جسرا للمحبة والتسامح، ونبراسا للحق والجمال، حتى تظل الحياة مزدانة بنور الكلمة الطيبة وأثرها الباقي في الوجدان. فلنؤمن دوما بأن للكلمة نبضا يحيي القلوب، أو سهاما قد تجرح بلا دواء؛ فالكلمة مسؤولية وأمانة، وأثرها خالد في النفوس.

✍️ بقلم المستشار الأديب الدكتور أحمد الموسوي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الانتحار.. جرح الإنسان بين الفلسفة والدين والأدب

أيا صاحبي

شريط الفناء