المرأة بين كبت الماضي ووعد المستقبل




"المرأة بين كبت الماضي ووعد المستقبل"


لا مدعاة للعجب. فالمشهد الذي نراه اليوم ليس تبدّلًا في جوهر المرأة، بل انكشافًا لوجهها الأصيل بعد أن انزاحت عنه أستار الوصاية الطويلة. ما تغيّر هو موقعها في الاجتماع، لا معدنها الإنساني. والحقّ أن ثقافتنا رسّخت صورةً أحادية للأنوثة، تُحسن الامتثال ولا تُؤتمن على الاختيار؛ صورة صيغت باسم الحماية، ثم استُعملت لتثبيت الهيمنة.


أقول وأنا أرى آثار ذلك في تفاصيل العيش إن المرأة متى امتلكت زمام قرارها، تجلّت قدرتها على التنظيم الذاتي: تُحسن أن تعرف ما تريد، وتضبط شهوة الرغبة بميزان المسؤولية، وتتحمّل تبعات ما تختار. الحرية هنا ليست خصومةً مع القيم، بل صنوها النبيل؛ وكل اختيارٍ لا يلتزم أخلاقه، يتحوّل عبئًا على صاحبه قبل أن يكون عبئًا على مجتمعه.


غير أنّ التسلّط الذكوري مهما تنكّر بلبوس العرف أو برقع “الغيرة”—حوّل الأخلاق إلى قيود، والعناية إلى إذن عبور. ولو رُفع هذا العبء عن المرأة في مجتمعاتنا، لظهر من طاقتها ما يدهش الناظر؛ لا لأنّها “تنفلت”، بل لأنّ الكبت الطويل يُراكم رغبةً في الهواء الطلق، فإذا لاحت الفسحة اندفعت الذات لتجريب إمكاناتها. وما يبدو لبعضهم صدمةً، ليس إلا ارتباك البدايات قبل أن تستوي القواعد على العدل.


وتشهد حكايات كثيراتٍ ممّن هجّرتْهنّ الحروب أو ساقتهنّ الظروف إلى أوروبا أنّ الفضاء القانوني حين يُصان فيه الحقّ، تراجع المرأة حساباتها بلا وجل؛ فتفكّ ارتباطًا قسريًا هنا، وتستأنف حياةً أليق بكرامتها هناك. ليس الطلاق—في هذه الحال إعلان سقوط، بل أحيانًا فعلُ إنقاذٍ للذات من علاقةٍ لا تستقيم على الرضا والاحترام. المقارنات المترهّلة بين “شرقٍ محافظ” و“غربٍ منفلت” لا تبني وعيًا؛ الذي يبني هو سؤال العدالة وتكافؤ الكرامة تحت قانونٍ واحد ومعيارٍ واحد.


أرفض أن تُحبس المرأة في ثنائيةٍ كسولة: محافظة/منفلتة. الإنسان—امرأةً كان أو رجلًا—تعدّديّ الهويّات: أمّ، وعاملة، ومتعلمة، ومبدعة، وقد تجتمع هذه الأدوار في شخصٍ واحد. اختلاف اختياراتها لا يعني سقوطًا قيميًا، بل يعني أنّها باتت تُجاهر بقولٍ بسيط: هذا يلائمني، وذاك لا يلائمني. ومجتمع الرشد هو الذي يتيح قول الحقيقة ثم يحاسب الجميع على قاعدةٍ عادلة لا تتحيّز لجنسٍ ولا لوصاية.


خلاصة القول: بدل أن نسأل “كيف نضبط المرأة؟” فلنسأل “كيف نُقيم العدل للجميع؟” عدلٌ يحرس الحرية من الفوضى، ويعصم المسؤولية من الوصاية، ويُشيّد الأسرة على ركنيْ الرضا والاحترام. يومئذٍ لن نفاجأ بوجه المرأة العصرية؛ سنكتشف أننا كنّا ننظر إليها عبر زجاجٍ مشوّه، فلما صُقِل الزجاج بانَ الوجهُ على حقيقته: إنسانٌ كامل الأهلية، شريكٌ كامل الحق.


✍️ أ.د.أحمد الموسوي

جميع الحقوق محفوظة للدكتور أحمد الموسوي 

بتأريخ 09/23/2025

time:4pm

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الانتحار.. جرح الإنسان بين الفلسفة والدين والأدب

أيا صاحبي

شريط الفناء