تناغم الروح والفكر

 تناغم الروح والفكر


يُقال إن للإنسان صوتين يتناوبان قيادته: كلام القلب بما يحمله من عاطفة وحدس وقيم، وكلام العقل بما يملكه من منطق وتحليل وبرهنة. وغالبًا ما يُصوَّر الصراع بينهما على أنه شدّ وجذب لا ينتهي، غير أن النظرة المتأنية تكشف أن المسألة ليست صراعًا بقدر ما هي حاجة إلى تناغم وتكامل؛ فالقلب يمنحنا الغاية والمعنى، والعقل يوفّر الطريق والأدوات.


القلب يتكلم بلغة سريعة التأثير، تنبع من الانفعال الأخلاقي والإحساس بالجمال والحدس بالصح والخطأ. قد يُصيب القلب بلمح البصر حين تعجز الأرقام عن التعبير عن كرامة إنسان أو ألم مظلوم، لكنه قد يخطئ حين تقوده الرغبة أو الخوف أو التعصب. أمّا العقل فينطق بلسان البرهان: تعريفات دقيقة، أسباب ونتائج، وتقدير للمخاطر والتكاليف. وبفضله نختبر الفرضيات ونحسّن القرارات ونبني المؤسسات، إلا أنه إذا انفصل عن القيم قد يبرّر ما لا ينبغي، أو يحوّل الإنسان إلى رقم جامد في جدول.


ومن هنا يتبيّن أن التوازن هو المفتاح. ففي القرارات الأخلاقية مثلًا يبدأ القلب بتحديد المبدأ، ككرامة الإنسان والعدالة، ثم يأتي العقل ليرسم السياسات التي تجسّد ذلك المبدأ بأقل ضرر وأكبر نفع. وفي الإبداع يشعل القلب شرارة الفكرة، بينما يصقلها العقل ويهذبها ويعطيها شكلًا مكتملًا. وحتى في تفاصيل الحياة اليومية، حين نختار مهنة أو علاقة أو موقفًا عامًا، يبقى السؤالان متلازمين: هل يطمئنّ له قلبي؟ وهل تقوم له حُجّة؟


إن العلاقة بين القلب والعقل ليست خصومة بل شراكة؛ فالقلب يمدّ العقل بالاتجاه الإنساني، والعقل يمنح القلب الوسيلة الواقعية. والقرار الرشيد هو ثمرة قيمةٍ مستلهمةٍ من القلب وخطةٍ محكمةٍ يضعها العقل. ومن يتقن الإصغاء لكليهما يقلّل ندمه ويضاعف أثره.


✍️ بقلم الأديب الدكتور أحمد الموسوي

جميع الحقوق محفوظة للدكتور أحمد الموسوي.

بتاريخ 26 أغسطس 2025

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الانتحار.. جرح الإنسان بين الفلسفة والدين والأدب

أيا صاحبي

شريط الفناء