الإنسان ابن الكرامة لا ابن الجغرافيا
الإنسان ابن الكرامة لا ابن الجغرافيا يشيع في الخطاب السياسي والاجتماعي اختزال الإنسان في جغرافيا ولادته، وكأن الوطن قدرٌ بيولوجي لا فكاك منه، أو ميراثٌ يُفرض على المرء دون أن يُسأل عمّا منحه من أمان وحقوق وعدالة. غير أن التجربة الإنسانية، قديمها وحديثها، تكشف حقيقة أعمق؛ فالوطن ليس مجرد أرضٍ نولد فوقها، بل منظومة قيم وقوانين، إمّا أن تصون الإنسان أو تُقصيه. قد يولد الإنسان في بلدٍ لا يحفظ كرامته، ولا يضمن حقوقه، ولا يعترف بإنسانيته الكاملة، فيقضي عمره أسير اسم وطنٍ لم يحتضنه يومًا. وفي المقابل، قد يجد وطنه الحقيقي في مكانٍ آخر، منحه الأمان، وفتح له أبواب العمل والعيش بكرامة، وساواه بغيره أمام القانون، دون سؤالٍ عن دينه أو عرقه أو أصله. ويقدّم الواقع المعاصر أمثلة لا تُحصى على ذلك؛ فكم من مهاجرٍ غادر أرض مولده مكرهًا لا كارهًا، ليبدأ حياة جديدة في بلدٍ احتواه بالقانون لا بالعاطفة وحدها، ومنحه حق التعليم والعمل والرعاية الصحية، ووفّر له مظلة العدالة. هناك، يشعر الإنسان للمرة الأولى أن وجوده ليس عبئًا، بل قيمة، وأن الانتماء لم يعد شعارًا يُرفع، بل تجربة تُعاش. هذا المعنى لم يكن غريب...