المشاركات

حوار الوتر الأخير

  أَتَتْنِي عُيُونٌ مِنْ بَعِيدٍ فَأَخْبَرَتْ بِأَنَّ جِرَاحَ اللَّيْلِ تُشْفَى مِنَ السِّحْرِ فَقُلْتُ لَهَا: هَلْ فِي جُفُونِكِ مَرْفَأٌ؟ فَقَالَتْ: مَنِ اسْتَسْقَى عُيُونِي رَأَى الجَمْرِ فَقُلْتُ لَهَا: مَا الصَّمْتُ؟ قَالَتْ: رِسَالَةٌ إِذَا ضَاقَ فَمُ العُشَّاقِ فَاضَتْ مِنَ الصَّدْرِ وَأَطْرَقْتُ حَتَّى صَارَ صَوْتِي جَزِيرَةً تُنَاجِي سَفِينَاتِ الدُّمُوعِ إِلَى الفَجْرِ فَقَالَتْ: عُيُونِي لَيْسَ فِيهِنَّ مَوْعِدٌ وَلَكِنَّهَا تَبْكِي عَلَى شَاطِئِ البَحْرِ فَقُلْتُ: أَرَاكِ الآنَ أَقْرَبَ مِنْ دَمِي وَأَبْعَدَ مِنْ صَوْتِ الطُّيُورِ عَنِ العُمْرِ فَمَالَتْ وَقَالَتْ: لَا تُفَسِّرْ دُمُوعَنَا فَكَمْ نَبْضَةٍ تَخْتَارُ مَنْفَاهَا فِي الصَّبْرِ رَأَيْتُ بِهَا لَيْلًا يُرَبِّي نُجُومَهُ وَيَطْحَنُ أَحْلَامَ الغَرِيبِ عَلَى العِطْرِ فَقَالَتْ: أَتُدْرِي؟ كُلُّ عَيْنٍ أَحَبَّهَا تُعَلِّمُ قَلْبَ المُنْكَسِرْ مَنْطِقَ الشِّعْرِ فَقُلْتُ: وَمَا قَلْبِي؟ فَقَالَتْ: حَدِيقَةٌ إِذَا احْتَرَقَتْ أَوْرَاقُهَا أَنْبَتَتِ الدَّهْرِ وَمَا الحُبُّ إِلَّا نَايُ جُرْحٍ إِذَا بَكَى تَعَلَّمَ...

نشيج القبور

  أَرَى الْمَوْتَ سَيْفًا فِي يَدِ الْغَيْبِ صَامِتًا إِذَا لَاحَ فِي عَيْنِ الْمُحِبِّ تَهَدَّمُ وَمَا أَوْجَعَ الدُّنْيَا إِذَا غَابَ أَهْلُهَا وَصَارَتْ دِيَارُ الْأُنْسِ بَعْدَهُمُ تُظْلِمُ أُنَادِي أَحِبَّائِي فَيَرْجِعُ صَوْتُنَا عَلَى حَجَرٍ بَارِدٍ كَأَنَّهُ يَنْدَمُ فَيَا رَاحِلِينَ وَفِي الضُّلُوعِ مَقَاعِدٌ لَكُمْ كُلَّمَا هَبَّ الْحَنِينُ تُكَلِّمُ تَرَكْتُمْ لَنَا فَوْقَ الْوُجُوهِ غَيَابَكُمْ وَفِي كُلِّ دَمْعٍ مِنْ أَسَاكُمْ تَهَشُّمُ إِذَا ذُكِرَتْ أَسْمَاؤُكُمْ خَرَّ صَوْتُنَا كَأَنَّ حُرُوفَ الشَّوْقِ فِينَا تُلَطِّمُ وَكَمْ ضَاحِكٍ أَمْسَى بِبَيْتٍ مُنَوَّرٍ فَأَصْبَحَ تَحْتَ التُّرْبِ وَحْدَانَ يُسْلَمُ هُنَاكَ انْقَطَعْتِ الزِّينَةُ الْغُرُّ كُلُّهَا وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا مَا بَنَاهُ وَيُرْقَمُ هُنَاكَ يُسَائِلُهُ التُّرَابُ بِصَمْتِهِ وَيَأْتِيهِ مَا قَدَّمْتَ يَوْمًا وَيَحْكُمُ فَإِنْ كَانَ فِي دُنْيَاهُ قَلْبًا مُطَهَّرًا رَأَى قَبْرَهُ رَوْضًا مِنَ النُّورِ يُكْرَمُ وَإِنْ كَانَ ظَلَّامًا عَنِ الْحَقِّ مُعْرِضًا أَتَاهُ مِنَ الْقَبْرِ الضِّيقِ مَا يُلْجِمُ و...

مرآة الدهر

ُ أَرَى الدَّهْرَ مِرْآةً لِمَنْ كَانَ يَفْهَمُ وَفِي صَمْتِهِ وَعْظٌ لِقَلْبٍ يُتَرْجِمُ وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ الْعُمْرَ يَبْقَى لِعَهْدِهِ سَيُوقِظُهُ يَوْمٌ عَلَيْهِ مُحَتَّمُ إِذَا ضَحِكَتْ دُنْيَاكَ فَاحْذَرْ خِدَاعَهَا فَكَمْ ضِحْكَةٍ بَعْدَ السُّرُورِ تُؤَلِّمُ وَلَا تَحْسَبِ الْأَيَّامَ تَنْسَى فِعَالَنَا فَفِي غَيْبِهَا كِتْبٌ عَلَيْنَا تُرَقِّمُ إِذَا مَا عَلَوْتَ النَّاسَ فَاخْفِضْ جَنَاحَكَ فَإِنَّ الَّذِي فَوْقَ الْعِبَادِ يُقَوِّمُ وَمَنْ جَعَلَ الإِحْسَانَ سِرًّا بِرُوحِهِ رَأَى نُورَهُ يَوْمَ الْحِسَابِ يُتَمِّمُ وَمَا الْمَالُ إِلَّا ظِلُّ غَيْمٍ مُعَارَةٍ إِذَا مَا تَمَطَّى فِي الْيَدَيْنِ تَهَدَّمُ فَلَا تَحْسَبِ الْفَقْرَ انْكِسَارًا لِصَاحِبٍ فَكَمْ مُعْدِمٍ فِي نُورِهِ يَتَقَدَّمُ وَكَمْ مُتْرَفٍ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ ضَاحِكًا وَفِي صَدْرِهِ قَبْرٌ مِنَ الْكِبْرِ مُظْلِمُ إِذَا زَلَّ قَلْبُ الْمَرْءِ فِي لَيْلِ شَهْوَةٍ فَبَابُ الرَّجَا بَيْنَ الضُّلُوعِ يُرَمِّمُ وَمَنْ يَزْرَعِ الْحِقْدَ الدَّفِينَ بِأَرْضِهِ يَجِدْ شَوْكَهُ فِي كَفِّهِ يَتَجَسَّمُ وَمَنْ يَحْمِل...