معلقة لصحراء روض

 "معلقة لِصَحْراءِ روضٌ"

لِصَحْراءِ روضٌ في رُبى الجَزْمِ قاطِبًا،

 يُضيءُ كنجمٍ في سماءِ البُعادِ.

وَقُوفًا بهَا أَرْخَى الفُؤَادُ رَحَالَهُ،

 يَقُولُ صَبُورًا لِلزَّمَانِ التَّحَدِّيدِ.

كأنَّ قُطُوفَ الأيْكِ فيها صَباحَةً،

عُقودًا من الدُّرِّ المُنَظَّمِ بالجِدِّ.

أَسِيرُ بِلا إِبْحارِ في بَحرِ أَحْلامِي،

يُبَارِي بها خاطِرُهُ دَوْمًا يَسْتَرِدِّ.

يَخُوضُ غَمَارَ الحُبِّ قَلْبِي بِصِدْقِهِ، 

كَمُحَارِبٍ فِي الحَرْبِ يَنْضُبُ بَالصَّدَدِ.

وفي القَفْرِ أَعْنَى يَرْتَمِي الحُزْنُ بارِدًا،

مُعانِقُ أَطْيافِ الأَمَلْ والأَمَجَدِ.

شُمُوخٌ تُرَاقِصُ ظِلَّها في مَراياها،

تَلامِسُ أَطْرافَ السَّماءِ وتَعْتَدِ.

وتَبْسِمُ عَنْ أَسْرارِها كَالفَجْرِ مُنْبِلِجًا،

تَخَلَّلَ صُبْحَ الرُّوحِ شَمْسٌ لهُ وُدُّدِ.

سَقَتْهُ الأَماني مَاءَها إِلَّا لِظامِئٍ،

أَسَىً ولم يَشْكُ الهَوى بالتَّجَدُّدِ.

ووجهٌ كأنَّ البَدْرَ أَلْقى على خَدِّهِ ،

ضِياءً نَقِيًّا لا يَشُوبُهُ تَشَوُّدِ.

وإنِّي لأُمْسِي الهَمَّ عِنْدَ انجِلاَئِهِ ،

بِبِشْرٍ تُروحُ في الأُفُقِ البَعِيدِ.

أَمَانٍ كَأَرْجُوحَةِ الدُّنْيا تَحُفُّها ،

عَلى أَمَلٍ كَالبُرْجُ في الأُفُقِ السَّعِيدِ .

جَمِيلٌ وَجَلَّاءٌ تَمَايلُ كأنَّها،

 سَحابَةٌ تَروي لِأَرْضٍ بِلا حَدِيدِ.

تُبَارِي السَّحَابَ السَّارِيَاتِ وأَتْبَعَتْ ،

وَصِيْفًا وَصِيْفًا فَوْقَ أَرْضٍ تُعَبِّدِ.

تَرَبَّعْتِ الأَرْضَ الرَّحِيبَةَ تَرْتَعِي ،

حَدَائِقُ رَبِّ النَّاسِ بِالخَيْرِ أَجْوَدِ .

تَرِيْعُ إِلى نَسْمِ الصَّبَاحِ وتَحْتَمِي ،

بِذِي عَهْدٍ يَحْفَظُ العُهُودَ.

ويُرْشِدِ كأنَّ جَنَاحَيْ طَائِرٍ قَدْ تَكَنَّفَا ،

حِمَامَيْهِ يَحْكِي في السَّمَاءِ بِمُسْتَرِدِّ.

فَطُورًا بهِ فَوْقَ الشُّمُوخِ ،

وتَارَةً عَلى أَرْضٍ كَالوَادِي الهَادِئِ المُجَدَّدِ.

لَهَا قَدَمَانِ أُتْقِنَ السَّيْرُ فيهِمَا،

كأنَّهُمَا مِنْ مَشْيِهَا قَدْ تَمَرَّدِدَ.

وَطَيٌّ مَهِيبٌ كَالجِبَالِ خُطُوَّاتُهُ،

وَأَقْدَامُهَا تَسْلُكُ بِدْرَبٍ مُنَضَّدِ.

كأنَّ خُطَاهَا في السَّبِيلِ تَسِيرُ بهِ،

وأَطْرَافُهُ تَحْتَ السَّمَاءِ مُؤَيَّدِ.

لَهَا مِرْفَقَانِ يَبْدُوانِ كأنَّمَا تَمُرُّ،

بِسَهْلٍ وَادِعٍ مُتَشَدِّدِ.

كَجِسْرِ الصَّحَارَى أَقْسَمَ رَبُّهَا لَتَكُنْ تُحَيَّا،

وتُكْرَمُ حَتَّى تُحَفَّ بِقُرْمِدِ.

صَبُورَةُ الأَحْزَانِ تَحْتَمِلُ الأَلَمَا،

بَعِيدَةُ أَحْلامِ الفَتَى مُتَوَقِّدَةُ العِدَدَ.

أُمِرَّتْ يَدَاهَا بِالعَطَاءِ وأَجْنَحَتْ،

لَهَا ذِرَاعَاهَا في العُلا مُسْتَنِدِ.

جَنُوحٌ لِمَوْجِ البَحْرِ عَنْفُوانُهَا،

وَتَرَى كَتِفَاهَا في الأُفُقِ العَالِي مُصَعَّدِ.

كأنَّ سُرُوجَ النُّورِ في طَرِيقِهَا مَوَاقِدُ،

مِنْ نُورٍ عَلى ظَهْرِ قَنْدِيلِ تَلاقَى الدَّدِ.

وأَحْيَانًا تَبِينُ كأنَّهَا شُعَاعٌ ،

بِنُورِ الفَجْرِ في الصَّبْحِ يُجَدِّدِ.

وَأَرْفَعُ نَهْدٍ إِذَا عَلاَ بِهِ الطُّهْرُ ،

كَزَهْرِ الرَّبِيعِ بِوَادِيٍ مُتَأَهِّبِ الوَرِدِ .

وَجُمْجُمَةٌ مِثْلُ القَمَرِ كأنَّمَا ،

تَجَمَّعَ لُؤْلُؤُهُ عَلى حَافَةِ المِبْرَدِ .

وَخَدٌّ كَصَفْحِ البَحْرِ وَمِشْفَرٌ ،

كَمَوْجِ البَحَرِ قَدُّهُ لَمْ يُجَرَّدِ.

مُؤَلَّلَتَانِ بِالوَفَاءِ مُعَانِقَتَانِ كَمَنْ سَمِعَا ،

نَدَاءَ الفَجْرِ بِوَقْتِ المَوْعِدِ.

وَأَرْوَعُ نَظْرٍ حَيْنَ يَشْرَقُ ضِياؤُهُ،

 كَشُعْلَةِ نُورٍ فِي الظَّلامِ مُتَوَقِّدِ.

 وَأَعْلَمُ قَدْرٍ فِي النُّفُوسِ مُحَبَّبٌ ،

عَزِيزٌ عَلى القَلْبِ الحَنُونِ وَمُعْتَقِدِ.

بِكَهْفَيْ حِمَايَةٍ تَحُوطُهُمَا سَلامَةً ،

وَرَمْشُ العُيُونِ كَظِلِّ الشَّجَرْ المُورَّدِ .

طَحُورَانِ تَسْقِي الأَرْضَ مِنْ زُلالِها،

 وَتَرْوِي القُلُوبَ بِمَاءِ الهَوَى المُفَرَّدِ.

وصَادِقَتَا السَّمْعِ لِكُلِّ نَدَاءٍ عَذْبٍ،

لِنَغْمِ الحَيَاةِ أَوْ لِصَوْتِ النَّدَى المُرَدَّدِ. 

مُؤَلَّلَتَانِ بِالوَفَاءِ مُعَانِقَتَانِ كَمَنْ،

 سَمِعَا نَدَاءَ الفَجْرِ بِوَقْتِ المَوْعِدِ.

وَأَرْوَعُ نَظْرٍ حَيْنَ يَشْرَقُ ضِياؤُهُ ،

كَشُعْلَةِ نُورٍ فِي الظَّلامِ مُتَوَقِّدِ .

وَأَعْلَمُ قَدْرٍ فِي النُّفُوسِ مُحَبَّبٌ ،

عَزِيزٌ عَلى القَلْبِ الحَنُونِ وَمُعْتَقِدِ.

وَتَمْضِي اللَّيَالِي بِالأَمَانِي مُحْمَلَةً،

 كَسُفُنٍ تَجُوبُ الأُفُقَ في صَمْتِ الأَبَدِ.

 وَفِي كُلِّ نَجْمٍ سِرُّ أُمْنِيَةٍ يَخْفَى ،

كَكَنْزٍ دَفِينٍ في السَّمَاءِ بِلا حُدُودِ.

وَأُحْلُمُ بِرَوْضٍ فيهِ الأَحْلامُ تَزْهُرُ،

 وَتَفْتَحُ أَبْوَابُ السَّعَادَةِ لِلْوُجُودِ.

 وَتَرْقُصُ أَفْرَاحِي عَلى نَغْمِ اللِّقَاءِ ،

كَأَنْغَامِ عُودٍ حَيْنَ يُلْهِمُ القَصِيدِ

فَتَسْمُو رُوحِي فَوْقَ أَحْزَانِ الزَّمَانِ ،

وَتَنْسَى الأَسَى في لَحْظَةِ الوُدِّ المُجَدِّدِ .

وَأَبْقَى أُغَنِّي لِلْحَيَاةِ بِكُلِّ جَوْدٍ ،

وَأَهْدِي العَالَمَ أَجْمَلَ القَوَافِي وَالقَصِيدِ

وَيَأْتِي الصَّبَاحُ بِالنَّدَى مُتَفَائِلًا،

 يُبَدِّدُ ظُلْمَ اللَّيْلِ بِالضَّوْءِ المُجَدَّدِ.

 وَيَنْسَابُ نَسْمُ الفَجْرِ يَحْمِلُ بُشْرَاهُ ،

كَرِسَالَةِ حُبٍّ فِي الأُفُقِ تُلَمْلِمُ الوِدَدِ.

وَلِكُلِّ قَلْبٍ حُلْمُهُ الخَاصُّ يَرْعَاهُ ،

وَيَسْعَى لِتَحْقِيقِ الأَمَانِي بِالجِدِّ .

فَتَسِيرُ الأَيَّامُ لَكِنَّ الأَمَلْ يَبْقَى ،

شُعْلَةً تُضِيءُ الدَّرْبَ وَالقَلْبَ المُتَعَبِدِ.

وَفِي الأُفُقِ البَعِيدِ أَرَى أَحْلَامِي تَقْتَرِبُ ،

مِثْلَ وَعْدِ الغَيْثِ إِذْ يُبْشِرُ بِالمَزِيدِ .

وَأَمْشِي عَلَى الدُّنْيَا بِقَلْبٍ مُتَسَامِحٍ،

 يَعْفُو وَيَصْفَحُ عَنْ زَلَاتِ العَهْدِ البَعِيدِ.

فَلَا شَيْءَ يَبْقَى، كُلُّ شَيْءٍ إِلى زَوَالٍ ،

إِلَّا الحُبُّ يَبْقَى في القُلُوبِ كَالوَتِيدِ .

وَأَرَى الحَيَاةَ بِعَيْنِ رِضَا وَتَفَاؤُلٍ،

 وَأَعِيشُهَا بِكُلِّ لَحْظَةٍ وَأَعِيدُ العِيدِ.

وَلِلشِّعْرِ أَهْدِي خَالِصَ الوَجْدِ وَالشُّعُورِ،

 وَأَسْطُرُهُ بِحُبٍّ عَلَى الوَرَقِ السَّعِيدِ .

فَيَصِيرُ مَلَاذًا لِلْقُلُوبِ البَاحِثَةِ ،

عَنْ مَعْنَى الحَيَاةِ وَسِرِّهَا المُفَقَّدِ.

في صدرِ الفجرِ أُغنيةٌ تترددُ ،

تحكي عن أملٍ في الأعماقِ يُولدِ .

تنسابُ كالنهرِ في قلبِ الوادي ،

تروي ظمأَ الروحِ وتبعثُ فيها الجددِ.

تُشْرَقُ شَمْسُ الأَمَانِي مِنْ بَعِيدٍ، 

تُنِيرُ دَرْبِي وَتَزْهَرُ فِيهِ وَرَدِدْ .

وأمضي في الحياةِ بقلبٍ حرٍّ ،

أعانقُ الأفراحَ وأطوي صفحةَ الحقدِ.

بِكُلِّ خُطوةٍ أرسمُ دربَ تفاؤلٍ ،

وأتركُ ورائي آلامَ الأمسِ البليدِ.

أبحرُ في موجِ الأيامِ بلا خوفٍ ،

فالقلبُ ملآنٌ بالإيمانِ والتجديدِ.

وإنْ ضاقتِ الأيامُ أو جارَ الزمانُ ،

أبقى كصخرٍ في وجهِ الريحِ شديدِ .

أُعانقُ السماءَ بأمنياتي العاليةِ ،

وأُحلّقُ مع النجومِ في سماءٍ بعيدِ.

أنا الشاعرُ الذي لا يعرفُ اليأسَ ،

أُغنّي للحياةِ بكلِّ الأشواقِ وأعيدِ .

فكلُّ بيتٍ من شعري هو نبضُ قلبي ،

وكلُّ قصيدةٍ من روحي هي وعدٍ جديدِ.

✍️الأديب أحمد الموسوي 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الانتحار.. جرح الإنسان بين الفلسفة والدين والأدب

أيا صاحبي

شريط الفناء