دمع على عرش الهجر

 "دَمْعٌ عَلَى عَرْشِ الْهَجْرِ"


أَتَى الْهَجْرُ لَا لَيْلًا، وَلَكِنْ كَصَاعِقٍ

تَشُقُّ جِبَاهَ الصَّمْتِ مِثْلَ نَذِيرِ


وَمَا بَابُهُ إِلَّا جَنَاحُ جَنَازَةٍ

يُحَلِّقُ بِأَنْفَاسِي إِلَى قَعْرِ سَعِيرِ


إِذَا مَا دَعَوْتُ اسْمَ الَّذِي غَابَ، رَدَّدَتْ

مَآذِنُ أَضْلَاعِي نَحِيبَ زَفِيرِ


وَأَصْغَى لَهُ صَخْرُ الْجِبَالِ، فَأَطْرَقَتْ

مَعَ الصَّخْرِ أَسْرَارِي بِغَوْرِ ضَمِيرِ


وَخَرَّتْ عَلَى حَافَاتِ دَمْعِي غَمَائِمٌ

فَلَمْ يَبْقَ لِلْأَنْهَارِ غَيْرُ غَدِيرِ


وَطَارَتْ طُيُورُ الْأُفْقِ تَحْمِلُ وَحْشَتِي

وَتَرْجِعُ مِنْ بَابِ الْمَدَى كَأَسِيرِ


أُمَشِّطُ لَيْلِي بِالنُّجُومِ فَتَنْثَنِي

كَأَظْفَارِ حُزْنٍ فَوْقَ صَدْرٍ كَسِيرِ


وَأَسْأَلُ عَيْنَ الْفَجْرِ: أَيْنَ حَبِيبُنَا

فَتُطْرِقُ مِنْ خَجْلٍ بِعَيْنِ بَصِيرِ


وَأَلْقَيْتُ فِي مِرْآةِ بَابِكَ دَمْعَتِي

فَعَادَتْ إِلَيَّ الْمِرْآةُ بِصَمْتٍ مُنِيرِ


وَكُنْتُ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيَّ مَنَافِذِي

أَلُوذُ بِذِكْرَاكَ الْبَعِيدِ كَنَصِيرِ


فَلَمَّا تَوَارَى وَجْهُكَ الْحُلْوُ خِلْسَةً

مَشَى عِطْرُكَ الْمَسْرُوقُ فِيَّ كَسَيْفِ عَبِيرِ


وَعَلَّمَنِي أَنَّ الْفِرَاقَ قَضِيَّةٌ

تُحَاكِمُ أَعْمَارِي إِلَى سِرِّ مَصِيرِ


فَيَا قَلْبُ، لَا تَأْمَنْ رَقِيقَ رَسَائِلٍ

فَأَقْسَى الْهَوَى مَا قِيلَ بِدَمْعِ خَبِيرِ


إِذَا انْقَطَعَتْ أَسْمَاؤُنَا عَنْ شِفَاهِنَا

تَعَلَّقَتِ الْأَرْوَاحُ فَوْقَ أَثِيرِ


وَمَنْ قَالَ إِنَّ الدَّمْعَ ضَعْفٌ، فَإِنَّهُ

رَأَى وَجْهَ مِرْآةٍ بِعَيْنِ صَغِيرِ


وَلَوْ أَنَّ دَمْعِي صَارَ بَحْرًا لَمَا ارْتَوَى

غُبَارُكَ فِي صَدْرِي كَنَجْمٍ كَبِيرِ


أُفَتِّشُ عَنْ وَجْهِي فَتَرْجِعُ صُورَتِي

بِلَا مُقْلَةٍ تَبْكِي وَلَا صَوْتِ شَهِيرِ


وَحِينَ مَسَحْتُ الدَّمْعَ عَنْ خَدِّ ذِكْرَيَا

رَأَيْتُ الرَّدَى يَمْشِي بِثَوْبِ حَرِيرِ


وَمَا الْهَجْرُ إِلَّا أَنْ تَعُودَ مَدِينَةً

تَنَامُ عَلَى نَبْضٍ كَجُرْحٍ عَسِيرِ


ظَنَنْتُ بِأَنِّي قَدْ دَفَنْتُكَ فِي الْبُكَا

فَإِذْ بِيَ مَدْفُونٌ، وَهَجْرُكَ كَأَمِيرِ


"دَمْعٌ عَلَى عَرْشِ الْهَجْرِ"

(البحر الطويل)


✍️بقلم الأديب الدكتور احمد الموسوي 

جميع الحقوق محفوظة للأديب الدكتور احمد الموسوي 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

أغني لجمالك

اللغة العربية بوصفها نظاما حضاريا حيا

الانتحار.. جرح الإنسان بين الفلسفة والدين والأدب